ابن الجوزي
55
كشف المشكل من حديث الصحيحين
24 / 24 - وفي الحديث السادس : « الميت يعذب في قبره بما نيح عليه » وفي لفظ : « ما نيح عليه » وفي لفظ : « ببكاء الحي عليه » . وفي لفظ : أن عمر قال ذلك لما عولت حفصة وصهيب عليه ( 1 ) . أما قوله : بم نيح عليه : فمعناه . بالنياحة عليه . وقوله : ما نيح عليه أي مدة النياحة . وعولت بمعنى أعولت . وقالت الخطابي : عول ليس بجيد ، وإنما الصواب أعول ( 2 ) . فإن قيل : كيف يعذب الميت بفعل غيره وقد قال الله تعالى : * ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) * [ الأنعام : 164 ] ؟ ثم إن الإنسان لا يملك رد البكاء ، وقد بكى رسول الله على ولده ، وقال : « إن العين لتدمع » ، فإذا جاز البكاء في حق الباكي وما يؤاخذ به ، فكيف يؤاخذ به غيره ؟ فالجواب : أما البكاء في قوله : « يعذب ببكاء الحي » فليس المراد به دمع العين فحسب ، وإنما المراد به البكاء الذي يتبعه الندب والنياحة ، فإذا اجتمع ذلك سمي بكاء ؛ لأن الندب على الميت كالبكاء عليه ، وهذا معروف في اللغة ، سمعت شيخنا أبا منصور اللغوي يقول : يقال للبكاء إذا تبعه الصوت والندب بكاء ، ولا يقال للندب إذا خلا عن بكاء بكاء . فيكون المراد بالحديث البكاء الذي يتبعه الندب ، لا مجرد الدمع ، ولا إشكال في مؤاخذة الحي بالندب والنياحة ؛ لأنه أمر منهي عنه ، وإنما الإشكال في مؤاخذة الميت بذلك . وجواب هذا الإشكال من خمسة أوجه :
--> ( 1 ) البخاري ( 1286 ) ، ومسلم ( 927 ) . ( 2 ) « غريب الخطابي » ( 3 / 234 ) .